25 ربيع الآخر، 1430 هـ

من ريادة التأليف العربي إلي واقع البحث العلمي

من ريادة التأليف العربي إلي واقع البحث العلمي
(مراجعة لكتاب الدكتور كمال عرفات نبهان: التأليف العربي‏؛‏ علاقات النصوص والاتصال العلمي)
بقلم : د‏.‏ يوسف نوفل
في إطار تأمل ما آل إليه أمر البحث العلمي في جامعاتنا‏,‏ قد يتحقق شيء من الفائدة حين نتأمل مسيرة الثقافة العالمية في مجال المعرفة‏,‏ ورصدها‏,‏ وحصر منتجاتها‏,‏ وقيامها بتسجيل الآثار الفكرية للحضارات المتعاقبة وتلاقي الفكر فيما بين القديم والحديث‏,‏ وفيما بين اللغات‏,‏ والعقول‏,‏ ونتأمل التأليف في أبواب المعارف وفق منهج في التتبع والجمع والتقصي‏,‏ والترتيب والتصنيف‏,‏ حيث نجد ريادة سبـاقة لتراثنا العربي عبر العصور‏,‏ وهي ريادة لم تتوقف عند النقل‏,‏ ولم تقتصر علي التأثر فحسب‏,‏ بل تجاوزت ذلك إلي الإضافة‏,‏ وإكمال حلقات المعرفة‏,‏ وتقديم الأنموذج الأمثل لتأليف الكتب وتسجيل ثمرات الحضارات المتعاقبة‏,‏ وتقديمها خالصة للشاربين علي مائدة الحضارة الإنسانية الحديثة‏,‏ وهو ما يشكل ـ في النهاية ـ ما يمكن تسميته صناعة الكتاب.
وما سماه الدكتور كمال عرفات نبهان‏,‏ بحق‏,‏ في كتابه المسمي بهذا الاسم عبقرية التأليف العربي‏:‏ علاقات النصوص والاتصال العلمي‏,‏ يقف القارئ علي ما قدمنا‏,‏ وعلي ما هو أكثر مما أوجزنا الحديث عنه‏,‏ فيما يبدو في منهج الكتاب وطريقته ومحتواه من شكل وتخطيط جديدين غير مسبوقين‏,‏ حيث مضي في سبيل دراسة علاقات التأليف النصي‏,‏ وتعريفها‏,‏ وهيكلتها‏,‏ وتصنيفها ناظرا إلي السند الأدبي الذي كان النهج السائد لدي السلف‏,‏ والذي يلتقي مع ما تنص عليه طرق البحث الحديثة ومناهجه‏,‏ والذي يقطع الشك باليقين‏,‏ ولا يدع سبيلا إلي التشكك في الحقيقة العلمية‏,‏ ومستندا إلي الاستقراء المعتمد علي الانتخاب والانتقاء‏,‏ واستنباط الحقائق الكلية‏,‏ وهو‏,‏ أيضا‏,‏ ما تتمسك بأهدابه مناهج البحث الحديثة‏,‏ وعزل الخصائص المشتركة‏,‏ لدراستها وتأملها‏,‏ إضافة إلي المسح والحصر الببليوجرافي‏,‏ وهو العلم الذي صنف‏,‏ حديثا‏,‏ وما هو بحديث‏,‏ إذ شاع تصنيف ديوي الأمريكي‏,‏ ومن قبله بوقت طويل كان قد شاع وذاع تصنيف ذلك البغدادي العتيق ابن النديم‏(‏ محمد بن إسحق‏,‏ أبوالفرج‏)‏ ذلك الوراق الذي كان كتبيا كأبيه‏,‏ وكانا مشغولين بالكتب‏,‏ والمتوفي بعد‏390‏ هـ‏/1000‏م‏,‏ وذلك في مرجعه الشهير‏(‏ الفهرست‏,‏ أو فهرس العلوم‏),‏ والذي حصر فيه كتب العلوم‏,‏ وتصانيف الحضارات القديمة الزاهرة لدي‏:‏ اليونان‏,‏ الفرس‏,‏ والهند بلغة العرب‏.‏
وقد مضي الكتاب الذي بين أيدينا‏(‏ عبقرية التأليف العربي‏)‏ علي نحو ما تكشف الخطة التفصيلية له‏,‏ بما فيها من مداخل شارحة‏,‏ وتعريفات مفيدة‏,‏ وإطار تنظيري‏..‏ وما إلي ذلك من تفصيلات‏,‏ حتي كان عدد صفحات الكتاب‏557‏ صفحة من القطع الكبير‏.‏
يقدم الكتاب كثيرا من المجالات والنظرات الحديثة‏,‏ حتي ليعد‏,‏ حقا‏,‏ بداية نظرية وميدانية لتأسيس علم النصوص العربية‏,‏ إذ ابتكر نظاما لوصف تمثيل علاقات النصوص العربية داخل عائلة النص‏,‏ وقد حدد نحو ستين نوعا من التأليف النصي من خلال تأمله لذلك المنتج الثقافي في حقول المعرفة العربية‏,‏ ومضت عينة البحث‏,‏ لديه‏,‏ لتغطي مرحلة زمنية طويلة امتدت علي مدي أربعة عشر قرنا مستوعبة ما ضمه المصدر العربي الشهير‏(‏ كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون‏),‏ وهو معجم بأسماء المؤلفات العربية استوعب أكثر من‏15000(‏ خمسة عشر ألف‏)‏ كتاب‏,‏ وأحوال مؤلفيها‏,‏ مرتبة حسب حروف الهجاء لمؤلفه التركي الموسوعي حاجي خليفة الملقب بـكاتب جلبي‏,‏ الذي عاش بين سنوات‏(1608‏ م ـ‏1857‏ م‏),‏ وقد طبع هذا المرجع الكبير سنة‏1871‏ بعناية العلامة المستشرق فلوجل‏,‏ وتحقيقه‏,‏ مع ترجمة للاتينية‏,‏ في مدينة لايبزيج جنوبي ألمانيا الشرقية‏,‏ مسقط رأس الموسيقي الشهير فاجنر‏,‏ ثم طبع بتحقيق جديد للدكتور محمد عوني عبدالرءوف‏,‏ وإيمان السعيد جلال في مجلدين سنة‏2006.‏
وقد حقق كتاب‏(‏ عبقرية التأليف العربي‏)‏ هدفه‏,‏ فكان شاملا لمجالات بحثه جامعا بين حصيلتي‏:‏ التراث والمعاصرة في هذا المجال‏,‏ مازجا بين التنظير والرصد‏,‏ مضيفا جانبا مهما‏,‏ هو التطبيق علي الأمثلة الدالة علي ذلك من تراثنا العربي الفكري الحافل بالذخائر والنفائس‏,‏ سواء في ذلك ما تضمه مكتبتنا العربية المطبوعة‏,‏ أم تلك التي ماتزال مخطوطة‏,‏ وسواء أكان ذلك في خزائن المخطوطات القابعة والمتناثرة في البلدان العربية‏,‏ أم المودعة في خزائن تركيا ومكتباتها‏,‏ أم في معارض ومتاحف ومكتبات العالم بأسره‏,‏ حتي ليمكن القول ـ دون أدني مبالغة ـ إنه لا يكاد يخلو مكان في العالم من مخطوط عربي نادر أو مكرر في مجالات شتي من المعرفة‏.‏
وقد عرض الباحث قضاياه ومعارفه في هذا الكتاب عرضا علميا موثقا بمصادره‏,‏ ومراجعه‏,‏ مبررا بمنطقيته وأدلته‏,‏ بادئا من الجزء إلي الكل في لغة علمية تصل إلي نتائج علمية جديدة‏,‏ وفوق ذلك كله أثري معرفتنا بذلك الكم الوفير من تراثنا الذي يستحق أن نستوحيه في النهوض بالبحث العلمي المعاصر‏,‏ وإقالته من عثرته‏.‏
الأهرام، 9/4/2009

هناك تعليقان (2):

غير معرف يقول...

تحية طيبة، بعد الشكر أودأن ألفت انتباه صاحب المقال إلى أن فلوجل حقق الفهرست للنديم، وبالمناسبة فلقبه الصحيح النديم وليس ابن النديم، ولم يحقق كتاب كشف الظنون، كماأن الدكتورين عبد الرؤوف والسعيد طبعا الفهرست ولم يحققاه فضلا عن أنهما لم يحققا كشف الظنون، وليس كما ذكر صاحب المقال أنهما حققاه، أما عن كتاب عبقرية التأليف فهو مجهود مهم يبرز أهمية التأليف في العالم العربي، وإن كان يحتاج إلى تهذيب وضبط للمفاهيم والمصطلحات.وشكرا

غير معرف يقول...

بل حقق فلوجل كشف الظنون ونسخته مصورة كاملة على جوجل كتب
شكرا