4 ربيع الآخر، 1429 هـ

كثير من المعلومات‏..‏ قليل من التكنولوجيا

‏كثير من المعلومات‏..‏ قليل من التكنولوجيا من بعد ظهر أمس وإلي ظهر اليوم ولمدة‏24‏ ساعة فقط تقريبا‏,‏ حلت سادس أقوي امرأة في العالم طبقا لتصنيف مجلة فوربس لعام‏2005‏ ضيفة علي القاهرة‏,‏ وهي السيدة آن مولكاهي رئيس مجلس إدارة شركة زيروكس العالمية ومديرتها التنفيذية التي غص جدول زيارتها القصيرة بلقاءات مع كثير من المسئولين بالحكومة والصناعة‏,‏ ومن المقرر أن ألتقي بها صباح اليوم لنصف ساعة‏,‏ والحقيقة أنني حينما قرأت جانبا مما كتب ونشر عن السيدة مولكاهي لفت انتباهي في سجلها الطويل ليس فقط ما حققته من نجاح مذهل وصعب داخل شركتها ـ الأقرب إلي الإمبراطورية ـ بل كونها صاحبة رؤية تحملها وتدعو إليها وتعمل علي نشرها بين مؤسستها وشركائها وصناعة المعلومات عموما‏، وهي فكرة تقوم في جوهرها علي إعلاء شأن المعلومات في مقابل التكنولوجيا والمعدات والبرمجيات‏,‏ وقد صاغت مولكاهي هذه الفكرة في عبارة موجزة وواضحة تكررها تقريبا في كل لقاءاتها بالمؤتمرات والمحافل الدولية وهي‏:‏ كثير من المعلومات‏..‏ قليل من التكنولوجيا‏.
‏ وتقديري أن فكرة مولكاهي مطلوبة بشدة وضرورية للغاية لمشروعات التنمية المعلوماتية بمصر علي كل المستويات‏,‏ لأننا في مقدمة شعوب الأرض التي يلهث مسئولوها ومؤسساتها وراء التكنولوجيا ولا يلقون بالا للمعلومات بل يهملونها ويعتقلونها ولا يوظفونها‏,‏ ومن ثم فنحن شعب لا يزال يتعثر في جني ما تحمله التكنولوجيا من قيمة‏,‏ وبمناسبة وجود السيدة مولكاهي بالقاهرة سأحاول عرض هذه الفكرة المهمة‏.‏
لكي أتعرف علي فكرة كثير من المعلومات قليل من التكنولوجيا قرأت جانبا من خطب وكلمات السيدة مولكاهي التي ألقتها ببعض المؤتمرات الدولية‏,‏ كما قرأت بعض الوثائق والمحاضرات التي حصلت عليها من جولات بحث عبر الإنترنت ومن زيروكس مصر‏,‏ وفي ضوء ذلك يمكنني تناول هذه الفكرة كالتالي‏:‏
تكنولوجيا المعلومات ـ كما هو معروف ـ هي الأجهزة أو الأدوات والأوعية التي يمكنها جمع وتخزين ومعالجة وتحليل وإدارة المعلومات وتنظيمها وتدويرها بين الجهات التي تطلبها وتستهلكها‏,‏ أما المعلومات فهي الشيء الذي تملأ به هذه الأدوات والأوعية‏,‏ بعبارة أخري تكنولوجيا المعلومات أشبه بالسلاح الذي يطلق الرصاص بسرعة صوب هدف محدد‏,‏ أما المعلومات فهي الرصاصة أو الذخيرة نفسها التي لابد أن يملأ بها السلاح كي يعمل ويستفاد منه‏.‏
ولعقود طويلة ظلت النظرة السائدة لدي الكثيرين تفترض أن الأوعية أي التكنولوجيا أهم من الأشياء التي توضع بها المعلومات‏,‏ أو أن البندقية وإمكاناتها أهم من الذخيرة أو الرصاص الذي تملأ به‏,‏ وبناء علي ذلك فإن أغلب من كانوا يخططون أو ينفذون مشروعات لتكنولوجيا المعلومات كانوا يضعون التكنولوجيا ـ كمعدات وأجهزة وبرمجيات ـ في الصدارة‏,‏ ويعتبرونها محور عملية التطوير الذي يجب أن يدور حوله كل شيء بما في ذلك المعلومات‏.‏
لكن خبرة السنين الطويلة أثبتت خطأ هذا التوجه‏,‏ وثبت مع الوقت أن الاندفاع وراء التكنولوجيا فقط ووضعها في الصدارة بعيدا عن المعلومات أدي في النهاية إلي إصابة مشروعات تكنولوجيا المعلومات بالضمور والهزال في النتائج‏,‏ وجعلها تتحول مع الوقت إلي بنادق فارغة من الطلقات‏,‏ حتي لو كانت محتوية علي أجهزة حديثة وقواعد بيانات عملاقة‏,‏ وشبكات معلومات مترامية الأطراف وبرمجيات آخر موضة‏.‏
نتيجة لذلك ظهرت دعوات وآراء كثيرة تحث كل من يقدم علي استخدام تكنولوجيا المعلومات علي ألا يقع في هذا الفخ‏,‏ وأن يجعل المعلومات في المقدمة ثم يفكر في التكنولوجيا والأجهزة والمعدات والبرمجيات بعد ذلك‏,‏ وظهرت هذه الدعوات في صورة شعارات وآراء متنوعة‏,‏ فهناك من تحدث عن المعلومات تحت الطلب وهناك من تحدث عن منهجيات إدارة دورة حياة المعلومات وهناك من رفع شعار المعلومات أولا‏
وتمشيا مع هذا النهج العقلاني والموضوعي جاءت السيدة مولكاهي لتسير في الاتجاه نفسه وهي ترفع شعار كثير من المعلومات قليل من التكنولوجيا‏,‏ مستهدفة من وراء ذلك تنبيه كل من يريد تنفيذ مشروع أو يضع خطة أو يدير مؤسسة أو يكون مسئولا عن كيان يعتمد علي تكنولوجيا المعلومات أن يعي جيدا ان المعلومات يجب أن تكون هي الملك وتسبق التكنولوجيا وتتصدر الواجهة ويدور حولها كل شيء‏.‏
لم تأت أفكار مولكاهي من فراغ‏,‏ بل استندت إلي العديد من التطورات التي حدثت خلال السنوات الماضية‏,‏ فمن ناحية اتجهت الحاسبات والمعدات إلي الانخفاض في السعر والارتفاع في الكفاءة والبساطة في التشغيل والإدارة والصيانة‏,‏ ومن ناحية أخري فإن الانتشار الواسع لأدوات ومنتجات تكنولوجيا المعلومات جعل البشرية تتجه صوب الحياة الرقمية أو الإلكترونية المعتمدة بالكامل علي تحويل المعلومات المتدفقة حول الإنسان من المرحلة الشفهية والمرحلة المكتوبة علي الورق‏
إلي شكل إلكتروني يتحرك عبر شبكات المعلومات ويهيئ الإنسان ـ علي المستوي الفردي والعائلي والجماعي والمؤسسي ـ للتعايش مع هذه الحياة الجديدة الزاخرة بمعاملات إلكترونية تنشأ بين موظفين داخل شركة أو منشأة معينة‏,‏ أو بين منشأة وأخري‏,‏ أو بين مجموعة منشآت وبعضها البعض فيما يعرف بالأعمال الإلكترونية‏,‏ أو بين الطلاب والمدرسين عبر المنازل والبيوت والجامعات لتنشئ التعليم الإلكتروني‏,‏ وبين الأطباء والمرضي عبر عيادات ومنازل ومستشفيات في أماكن متباعدة قد يفصل بينها آلاف الكيلومترات عبر الطب الإلكتروني‏,‏ وبين مواطنين وأجهزة الدولة التي يعيشون فيها فيما يعرف بالحكومة الإلكترونية والديمقراطية الرقمية‏.‏
وقد أحدثت هذه التطورات انفجارا حقيقيا في إنتاج وتداول وتوظيف المعلومات حول العالم‏,‏ فقد قالت دراسة أعدتها مؤسسة آي دي سي المتخصصة في بحوث تكنولوجيا المعلومات تحت عنوان الكون الرقمي أن حجم المعلومات الرقمية المنتجة والتي أعيد نسخها والتقاطها عام‏2006‏ بلغ حوالي‏161‏ إكسابايت تعادل‏161‏ مليار جيجا بايت‏,‏ ويعادل المحتوي الرقمي ثلاثة ملايين ضعف المعلومات الموجودة في جميع الكتب التي كتبت حتي الآن‏,‏ أو ما يعادل‏12‏ رزمة من الكتب
كل منها تمتد لأكثر من‏93‏ مليون ميل من الأرض إلي الشمس‏,‏ وأن حجم المعلومات عام‏2010‏ سيرتفع بنسبة تزيد علي ستة أضعاف عن عام‏2006‏ ليبلغ‏988‏ إكسا بايت بمعدل نمو سنوي مركب يبلغ‏57%.‏
أدت هذه التطورات أيضا إلي حدوث تغييرات عميقة علي الساحة‏,‏ فتغير اهتمام مستخدمي وعملاء تكنولوجيا المعلومات وراحوا يطلبون ويركزون علي القيمة المحققة بدلا من التركيز علي مجرد امتلاك بنية أساسية‏,‏ وانتقلوا من الاندفاع نحو شراء واقتناء الأجهزة والمعدات والبرمجيات إلي الاهتمام بتقديم الخدمات والقيمة المضافة‏,‏ وكما تقول مولكاهي‏:‏ انتقلوا من الجانب التكنولوجي إلي جانب المعلومات في معادلة تكنولوجيا المعلومات
ولذلك فإن اللاعبين الرئيسيين في أرض المستقبل سوف يركزون علي خدمات القيمة المضافة وليس فقط علي المنتجات‏,‏ والفائزون سوف يأخذون بالتكنولوجيا عالمية المستوي ويبنون حولها الخدمات، ويقدمون أعمالا حقيقية قابلة للقياس لعملائهم‏,‏ وسوف يكافئون بعدالة علي القيمة التي يقدمونها‏.‏
وفي معرض شرحها لفكرة كثير من المعلومات قليل من التكنولوجيا تقول مولكاهي‏:‏ إن الأمر يتعلق بضرورة التعرف علي الكيفية التي تتدفق وتنساب بها المعلومات و فهمها داخل الجهة الراغبة في شراء تكنولوجيا المعلومات‏,‏ وعليها أن تعرف أولا أين تذهب المعلومات ومن تلامس ومن يوظفها وكيف ومتي؟ وما هي الميزة أو الأفضلية التي تحققها المعلومات للمنشأة أو المؤسسة حينما تنتج وتدار بواسطة أدوات تكنولوجيا المعلومات، وهذه الأسئلة يجب أن تكون علي جدول أعمال مجالس الإدارات داخل المؤسسات وليست فقط محلا للمناقشات في الصالات بين صغار الموظفين‏.‏
تضيف مولكاهي في هذا الصدد‏:‏ أن‏80%‏ من الخبرة والمعرفة لدي العاملين يتم دعمها بواسطة الوثائق المحتوية علي المعلومات‏,‏ و‏90%‏ من اتصالات العملاء تقع من خلال الوثائق‏,‏ والموظفين المسئولين عن المعرفة يقضون‏20%‏ من يومهم يبحثون عن المعلومات داخل الوثائق‏,‏ و‏50%‏ من هذا الوقت يُبدد وهم يحاولون إيجاد ما يبحثون عنه‏,‏ ولذلك فإن الشركات التي لديها استراتيجيات فعالة لإدارة الوثائق هي التي ستكون أكثر ربحية، والمؤسسات التي ستركز علي كيفية إدارة المعلومات والوثائق تصبح مؤهلة أو مهيأة لمزيد من الخفض في التكلفة وتستجيب بسرعة للتغير في أحوال السوق وتزيد الربحية. بعبارة أخري أنت لا تستطيع أن يكون لديك استراتيجية أعمال ذات قيمة عالية أو استراتيجية تكنولوجيا المعلومات ذات قيمة عالية بدون أن يكون لديك استراتيجية معلومات ووثائق قوية مساوية لهما في الأهمية‏.‏
إذن فدعوة السيدة مولكاهي تتلخص في أن التكنولوجيا لا يجب أن تكون هي الملك أو محور التركيز‏,‏ بل لابد أن تتراجع للوراء لتفسح الطريق أمام المعلومات باعتبارها الملك الجديد.
وقد يري بعض الخبراء المتمرسين في مشروعات التنمية المعلوماتية في هذه الدعوة أمرا معتادا‏,‏ لكننا رغم كل شي أمام فكرة غاية في الأهمية‏,‏ تتوافق مع احتياجاتنا وأمراضنا الحالية‏,‏ فنحن ـ كأفراد وشركات ومؤسسات بل ودولة ـ لا نزال مصابين بداء الاندفاع في الشراء واللهاث وراء التكنولوجيا وأجهزتها ومعداتها وبرمجياتها دون أن نلقي بالا للمعلومات وضرورة العمل علي إنتاجها وجمعها وتصنيفها وهيكلتها وتطويرها وتدقيقها بصورة سليمة ثم فتح الباب أمامها لتنساب بسلاسة ويسر في جنبات المجتمع والمؤسسات المختلفة بما يكفل توظيفها التوظيف الأمثل الذي يحقق أقصي استفادة منها ومن أدوات تكنولوجيا المعلومات التي تنتجها وتديرها‏,‏ ووجود هذا الداء واستشرائه في مؤسساتنا يدل علي أن دعوة مولكاهي مطلوبة وجاءت في مكانها وتوقيتها‏.‏
جمال محمد غيطاس ، صفحة لغة العصر، الأهرام ، 1/4/2008

ليست هناك تعليقات: