12 جمادى الأولى 1429 هـ

القراءة في الوطن العربي والعبث بالمنهج

القراءة في الوطن العربي والعبث بالمنهج
أ. د. حشمت قاسم


لنتائج دراسات القراءة و الإفادة من المعلومات أهميتها في مختلف حلقات نظام تدفق المعلومات، فضلاً عن ترشيد مسارات جهود تنمية مهارات المستفيدين في التعامل مع أوعية المعلومات ومرافق المعلومات. إلا أنه من الملاحظ أن مثل هذه الدراسات كثيراً ما تعاني قصوراً منهجياً يحول دون استخلاص نتائج عامة قابلة للتطبيق. وربما كان مرد ذلك إلى نظرة بعض الباحثين إلى هذه الدراسات بوصفها هدفاً في حد ذاتها ، وكذلك عدم استثمارالخبرات المنهجية للدراسات السابقة. وقد فاجأتنا إحدى مؤسسات بحوث التسويق العالمية، عشية الدورة التاسعة والثلاثين لمعرض القاهرة الدولي للكتاب (23 يناير-4 فبراير2007) بتقرير المرحلة الأولى من دراسة للقراءة في الوطن العربي، ظهر بالإنجليزية بعنوان "ماذا يقرأ العرب؛ دراسة وصفية تحليلية للقراءة في الوطن العربي" (1). و تشمل هذه المرحلة الأولى من الدراسة خمس دول هي مصر، ولبنان، والسعودية ، وتونس، والمغرب. ويتكون هذا التقرير، الذي يشغل ثلاثمئة وستًا وعشرين صفحة من القطع الكبير، بالإضافة إلى تسع و ثلاثين صفحة في ترقيم مستقل، يشغلها الملحق, يتكون من خمسة عناصر، هي ملخص ما انتهت إليه الدراسة من نتائج، وبيان أهداف الدراسة، ووصف المنهج، والنتائج التفصيلية موزعة على الدول الخمس، والملحق المشتمل على الاستبانة وقائمة المراجعة المستخدمتين في تجميع البيانات.
وتهدف هذه الدراسة، في نظر المسئولين عنها، إلى ما يلي:
· التحقق من العادات القرائية للمتعلمين في الوطن العربي، واتجاهات هؤلاء المتعلمين نحو القراءة.
· الإحاطة بالوضع الراهن للقراءة في الوطن العربي، والتحقق من فئات القراء.
· الكشف عن الوسائط أو القنوات أو الأوعية المتوافرة، والمفضلة من جانب القراء.

ويبدأ عرض النتائج التفصيلية للدراسة الخاصة بكل دولة من الدول الخمس، بالنسبة المئوية للقراء في المجتمع، وينتهي بخلاصة، ويصنف النتائج في سبع فئات رئيسة على النحو التالي:
1. العادات القرائية ، وتشمل:
1/1 قنوات القراءة.
1/2 كثافة القراءة.
1/3 أماكن القراءة.
2. اتجاهات القراءة ، وتشمل:
2/1 دوافع القراءة.
2/2 مدى انتشار القراءة في مختلف الشرائح الاجتماعية والاقتصادية، والفئات النوعية والعمرية.
2/3 التوزيع اللغوي لما يُقرأ.
3. الفرص المتاحة للحصول على الكتب، وتشمل:
3/1 قنوات الإعلام والتوثيق.
3/2 قضايا الترويج والتسويق.
3/3 قضايا التسعير والقدرة الشرائية.
3/4 إعارة الكتب واستعارتها.
4. محتوى ما يُقرأ ، ويشمل:
4/1 الموضوعات.
4/2 المؤلفين.
5. قضايا اللغـة ، وتشمل:
5/1 اللغات المفضلة.
5/2 الترجمات.
6. اتجاهات القراء، وتشمل:
6/1 اتجاهات القراء نحو الكتاب.
6/2 اتجاهات القراء نحو القراءة.
6/3 اتجاهات غير القراء.
7. أسلوب حياة القراء ، وتشمل:
7/1 أنشطة شغل الوقت.
7/2 توزيع الوقت على الأنشطة خلال أسبوع العمل.
7/3 توزيع الوقت على الأنشطة في نهاية الأسبوع.
7/4 شغل وقت الفراغ.
7/5 أسلوب حياة غير القراء.

هذه هي القضايا والموضوعات التي حظيت بالاهتمام في هذه الدراسة. ومن الملاحظ الامتداد الأفقي الذي يحول دون التعمق في دراسة أي من هذه القضايا، في الوقت الذي ينبغي أن تجنح فيه مثل هذه الدراسات نحو التركيز على القضايا الدقيقة المحددة. وبصرف النظر عما انتهت إليه هذه الدراسة من نتائج، فإن لنا علي منهجها بعض الملاحظات ، تتعلق أولاها بالعينة ، وتتعلق الثانية بمستوى التحليل، وتتصل الثالثة بتوقيت إجراء الدراسة، في حين تتصل الرابعة الأخيرة بلغة الاستبانة.
أما فيما يتعلق بالعينة، فقد التزم المسئولون عن هذه الدراسة بحجم موحد للعينات في الدول الخمس، وهو ألف فرد فقط من كل دولة، علي الرغم من اختلاف الظروف السكانية لكل مجتمع من المجتمعات الخمسة. ولا نرى مبرراً لتوحيد حجم العينة. أضف إلى ذلك تميز الظواهر التي تتعامل معها هذه الدراسة بالدقة، الأمر الذي يستلزم الاعتماد علي عينات كبيرة نسبياً حتى تتضح معالم مثل هذه الظواهر والنتائج المتصلة بها. وفضلاً عن ذلك فإن مجتمع القراء عادة ما يتسم بالتنوع، وكثرة أسس تقسيمه إلى فئات، إذ لا يضارع تنوع فئات الكتب وأوعية المعلومات، من حيث أشكالها المادية، وأساليب التعبير، ومدى الأصالة في المحتوى، والفئات النوعية، والفئات الوظيفية، والتوزيع الجغرافي، والفئات اللغوية، والفئات الموضوعية ... إلى آخر ذلك من خصائص مجتمع أوعية المعلومات، لا يضارع ذلك إلا تنوع القراء، التي لا تقتصر علي العيش في المجتمعات الحضرية والمجتمعات الريفية، والنوع ، والطبقة الاجتماعية، والظروف الاقتصادية، والفئات العمرية، كما حدث في هذه الدراسة وإنما تشمل أيضاً المستويات القرائية، والتخصصات الموضوعية، والالتزامات الوظيفية ... إلى آخر ذلك من الأسس المحتملة لتقسيم مجتمع القراء إلى فئات لها انعكاسها علي الاتجاه نحو القراءة، ودوافع القراءة، والاهتمامات القرائية، ومدى كثافة القراءة ... إلى آخر ذلك من عوامل ومتغيرات. وبتوزيع عينة الدراسة الصغيرة هذه علي مختلف الفئات يصبح نصيب الفئة عدداً لا يذكر من المفردات، لا يكفل التمثيل المناسب للمجتمع، ولا يمكن أن يسفر بالتالي عن نتائج يعتد بها. ومن الملاحظ أيضاً أن هذه الدراسة لم تراعي تنوع الكتب وغيرها من أوعية المعلومات، ومن ثم تنوع فئات القراء ودوافعهم للقراءة. ولعل من أهم ما يميز الكتاب كسلعة، ومن منظور التسويق، كثافة التنوع في العرض، المرتبط وثيقاً بالتنوع في الطلب .
وقد انعكس صغر حجم العينات سلباً علي مستوى تحليل النتائج، إذ اقتصر التحليل على حساب النسب المئوية. والغريب في الأمر أن المسئولين عن الدراسة، علي الرغم من إدراكهم لهذا القصور المنهجي، لم يفعلوا شيئاً لتداركه أكثر من مجرد تسجيل ملاحظة في ذيل كل صفحة من صفحات التقرير، ربما كانت بمثابة اعتذار ضمني، مفادها أن النسب المئوية وإن كانت تعطي مؤشرات من البيانات المعتمدة في التحليل، فإنها لا قيمة لها نظراً لقلة عدد الاستجابات. ولم نجد بالطبع في هذا التقرير أبسط محاولات التحليل العاملي علي الرغم من أهميته في مثل هذه الدراسات .
وعلي الرغم من صدور تقرير الدراسة باللغة الإنجليزية، وهو أمر لا تفسير له عندي، صيغت الاستبانة، أداة البحث الرئيسية المكونة من مئة وثمانية أسئلة، بالإنجليزية أيضاً مصحوبة بما يقابل الأسئلة بلهجة عامية عربية. وهذه الاستبانة موجهة، نظرياً على الأقل، للقراء في جميع الدول العربية المزمع دراسة القراءة فيها، ولا ندري لماذا تجاهل المسئولون عن هذه الدراسة استخدام اللغة العربية الفصحى، التي تشكل نظرياً قاسماً مشتركاً بين جميع القراء في الوطن العربي. ولا ندري أيضاً أي اللهجات العامية العربية استخدمت في هذه الاستبانة التي جاءت ملحقاً لنتائج الدراسة في خمس دول عربية. وهل من المنتظر استخدام لهجات عامية عربية تناسب مختلف الدول العربية التي ستشملها الدراسة في المستقبل؟ وإذا كان المسئولون عن هذه الدراسة يرون في اللهجات العامية أنسب سبيل لمخاطبة القراء العرب، فلماذا لم يستخدموا أيضا إحدى اللهجات العامية الإنجليزية؟ أم أن الإنجليزية لا يمكن أن تمس لأن لها من يحميها، بينما تبدو العربية وقد هانت علي أهلها؟ أليس هذا هو العبث بعينة؟ ومن الجدير بالذكر أن كثيراً من الأخطاء اللغوية قد تسللت للنص الإنجليزي. وإن دل ذلك علي شيء ، فإنما يدل علي أن المسئولين عن هذه الدراسة لا يجيدون الإنجليزية، ويستهينون بالعربية، فما هي لغتهم يا ترى؟
ومن بين مظاهر تدني مستوى الأداء اللغوي في هذا العمل أن العربية العامية قد وردت في هذا التقرير "عربي عامي" وأن العربية الفصحى وردت "عربي فصحة" (ص 37 في الملحق) . أما عن الأخطاء في الإنجليزية فنكتفي الإشارة إلى عناوين أجزاء الاستبانة، ( ص3 ، و11 ، و19 ، و20 ، و24 ، و27 ، و31 ، و33 ) علي سبيل المثال لا الحصر. وإذا كان هذا هو مستوى الأداء اللغوي في دراسة للقراءة وتسويق الكتاب، فكيف يمكن أن يكون الأداء في دراسة لتسويق المسلي الصناعي ومساحيق الغسيل؟
ولتوقيت إجراء مثل هذه الدراسات أهميته بالنسبة لما يمكن أن تسفر عنه من نتائج، إذ ينبغي تجنب إجراءها في الأوقات التي يمكن أن تتأثر بالمناسبات والتقلبات الموسمية، ولم نجد في تقرير هذه الدراسة إشارة إلى الوقت الذي أجريت فيه، سوى ما ورد في رأس الصفحة الأولي من الاستبانة " الخامس من يوليو- مصر " . وهى إشارة غامضة لا تدل علي شيء.
وهناك الكثير مما يمكن أن يسجل علي هذه الدراسة من مآخذ تتصل بتطبيق المنهج . وبقدر إمعان النظر في تقرير المرحلة الأولى من هذه الدراسة يتكشف المزيد من مظاهر العبث بالمنهج، الأمر الذي يثير الشكوك في هذه الدراسة وجدواها، ومصداقية ما انتهت إليه من نتائج. ويمكن القول بأن تصنيف نتائج هذه الدراسة في الأقسام السبعة التي حرصنا على تسجيلها، إنما هو في واقع الأمر مجرد هيكل بلا مضمون، حيث لم تتخذ هذه الدراسة من المنهج سوى الشكل، كما بدا بعض ما انتهت إليه من نتائج وكأنه قد أعد سلفاً لتأكيد صورة نمطيه تقليدية للمجتمع الثقافي العربي.
وفي هذه الدراسة درس ولا شك، إذ تقدم نموذجاً واضحاً للعبث بالمنهج. إن دراسة تسويق الكتاب، كما نعلم، ينبغي أن تضع خصوصية الكتاب كسلعة في العرض، وخصوصية الطلب علي هذه السلعة، في الحسبان. كما ينبغي أن تلتزم مثل هذه الدراسة بقواعد المنهج وأصوله (2) حتى تدعم الثقة فيما يمكن أن تسفر عنه من نتائج، وتعزز احتمالات الإفادة من النتائج في رسم السياسات وتوجيه الإعراب عن مدى حرصها علي احترام قيم مجتمعها وثوابته .
الحواشي :
(1) What Arabs Read: a Pan – Arab Survey of readership : Phase one : Egypt, Lebanon, Saudi Arabia, Tunisia, Morocco. Synovate, n. p. , 2007 . 326 , 39p .

(2) وانج ، بيلنج . مناهج البحث وطرائقه في دراسة سلوك المستفيدين من المعلومات، ترجمة حشمت قاسم. دراسات عربية في المكتبات وعلم المعلومات، مج11 ، ع1 ، يناير 2006م. ص ص 105– 191.

للاستشهاد المرجعي:
حشمت قاسم. القراءة في الوطن العربي والعبث بالمنهج. دراسات عربية في المكتبات وعلم المعلومات. مج12، ع1 (يناير 2007). ص ص 7-13. متاحة على:

http://arab-librarians.blogspot.com/2008/05/blog-post_17.html

ليست هناك تعليقات: