24 جمادى الأولى، 1429 هـ

من يقرأ الكتب ومن يقرأ الفنجان

من يقرأ الكتب ومن يقرأ الفنجان
ياسر حارب
عندما دخلت لأول مرة إحدى المكتبات في سنغافورة لم أستطع أن أواصل تقدمي بين الصفوف لشدة الازدحام. ظننت في البداية أن هناك حدثا ما يجري داخل المكتبة، ثم اكتشفت بعد أن تعودت ارتياد تلك المكتبة بأن الوضع هكذا على الدوام. حيث يفد الناس من جميع الأعمار ومن مختلف الأعراق والطوائف على المكتبات العامة والخاصة في سنغافورة إما بحثاً عن كتاب أو مشاركة في نشاط ثقافي بسيط.
في العام 1823 قال "ستامفورد رفلز" مؤسس سنغافورة إن التعليم يجب أن يتسابق مع التجارة حتى يتوازن الخير مع الشر. وفي تلك السنة قام بتأسيس أول مؤسسة تعليمية في الجزيرة وأصّل بذلك لأهمية العلم والمعرفة في تلك البقعة المنسية من العالم. وفي العام 1992 قامت الحكومة بوضع خطة طموحة لوضع بنية تحتية للمكتبات ولتشجيع القراءة، وبعد أن اكتملت البنية التحتية العام 2000 بتأسيس مجموعة كبيرة من المكتبات العامة وتزويدها بأحدث التقنيات لكي يستفيد منها أكبر عدد ممكن من الناس، قامت الحكومة بإطلاق مبادرات عدة لتشجيع الناس على القراءة فأطلقت مبادرة سمّتها ((اقرئي سنغافورة))، حيث تم اختيار 12 كتاباً لكي يقرأها السنغافوريون على مدى عشرة أسابيع، وقامت الحكومة بتقديم الدعم المادي لنوادي الكتاب المنتشرة في أنحاء الجزيرة لتستوعب أكبر عدد ممكن من الزوار حتى يتناقشوا في تلك الكتب.
استطاعت الحكومة من خلال هذه المبادرة أن تقوي أواصر الوحدة الوطنية بين المواطنين، وقد يستغرب البعض من هذا القول، ولكن الحكومة أوجدت 12 موضوعاً أو قضية مشتركة بين الناس ليتناقشوا حولها. فتجد مجموعة من الشباب في أحد المقاهي يتناقشون حول أحد تلك الكتب، وبلا شعور ينضم إليهم عدد من الناس الذين قرأوا الكتاب نفسه وتشكل لديهم رأي تجاهه. كما استطاعت الحكومة أن تروج لثقافة القراءة في المجتمع، وأوجدت طريقة مميزة لكي يكتشف الناس متعة القراءة. فعندما يقرأ المرء كتاباً ويكتشف أن كل من يعرفهم قد قرأوا الكتاب نفسه فإنه يشعر برابط غريب بينه وبينهم يدفع به لقراءة المزيد من (المشتركات) والتمتع بمحاورة الآخرين حولها.
لاحظ القائمون على المشروع أن بعض أفراد المجتمع السنغافوري أصبحوا أكثر قدرة على التعبير عن ذاتهم، ففي مجتمع تتمايز فيه العرقيات وتختلف الأديان بشكل بارز، يصعب على أبناء هذه الطوائف أن يعبروا عما يجول في أنفسهم للآخرين، فلكل اهتمامه ولكل معتقده. إلا أن هذا المشروع أوجد بينهم ثقافة مشتركة ساعدتهم على مشاركة الآخرين أشياء أخرى غير التي في الكتب، وهو أمر أساسي لوحدة أي مجتمع.
أما بالنسبة للصغار فقد أطلقت الحكومة برامج متخصصة لتشجيعهم على القراءة، أجملها هو برنامج موجه للأطفال الذين تقع أعمارهم بين (يوم واحد) وثلاث سنوات. فلقد لاحظت الحكومة أن نصف استعارات الكتب من المكتبات العامة خاصة بالأطفال، ولأن الأطفال لا يستطيعون أن يحصلوا على عضوية في المكتبات يقوم أولياء أمورهم باستعارة الكتب بأسمائهم، فأطلقت الحكومة برنامجاً سمّته (نولد لنقرأ، ونقرأ لنترابط) حيث أثبتت بعض الدراسات التي قامت بها الحكومة بأن القراءة للأطفال والأجنّة أيضاً يساعدهم على تعلّم المفردات اللغوية بسرعة، ويحفز لديهم القدرة التخيلية والإبداعية، وبالتالي يزيد من معدل مهارات التعلم ويجعل القراءة ركناً أساسياً من أركان حياتهم.
فقامت الحكومة بإطلاق حملات تسويق للبرنامج في المكتبات والمستشفيات وفي أقسام الولادة على وجه الخصوص حتى يشجعوا الآباء والأمهات على تسجيل أبنائهم في المكتبات، وما إن يولد الطفل حتى يعطى الوالدان حقيبة بها دفتر لتنظيم مواعيد استعارة الكتب وإرجاعها، وبطاقة اشتراك مجانية باسم الطفل على شكل مفتاح، في إشارة رمزية إلى أن هذه البطاقة هي مفتاح المعرفة لدى الطفل، وعلى الوالدين أن يستعيرا أربعة كتب في اليوم الذي يولد فيه الطفل ليقرآها له على مدى ثلاثة أشهر.
أما الأطفال الذين تبلغ أعمارهم 4 سنوات فما فوق فإن الحكومة قد خصصت لهم برنامجاً مختلفاً، حيث شجّعت نوادي الكتب لكي تخصص جزءاً من برنامجها للأطفال عن طريق القراءة لهم مرة في الأسبوع. كان الهدف العام 2004 أن يؤسس 15 ناديا للأطفال خلال ثلاث سنوات يشترك فيها 2000 طالب، وكانت النتيجة أن تم تأسيس 45 نادياً اشترك فيها 2250 طفلاً. وتم فتح باب التطوع لمن يرغب في أن يقرأ للأطفال مرة في الأسبوع على ألا يقل سن المتطوع عن 15 عاماً. وقامت الحكومة بتجهيز كتيب تدريبي لهؤلاء المتطوعين وقامت بتدريبهم على أساليب القراءة لمختلف الأعمار لتحويل الجلسة إلى تجربة مسلية يستفيد منها الأطفال والمتطوعون على حد سواء.
يوجد اليوم في سنغافورة أكثر من 9.1 مليون عضو في المكتبات العامة من أصل 3.4 مليون نسمة، وفي هذه المكتبات تمت استعارة أكثر من 28 مليون كتاب العام 2006، والأهم من ذلك أن الكتاب والكاتب يحظيان باحترام وتقدير كبيرين في تلك الجزيرة الصغيرة.
في أقصى الشرق يقرأ الشباب الروايات والكتب، وفي وسط الشرق نقرأ الفنجان ونبحث عن الطوالع، حيث تعد كتب التنجيم هي ثاني أكثر الكتب قراءة في الوطن العربي - الطبخ يحتل المرتبة الأولى. عندما أحجم العالم العربي عن القراءة توقف إنتاجه العلمي والأدبي وتأخر في ركب الحضارة. وفي رأيي، فإننا إن استطعنا أن نلحلح مشكلة القراءة قليلاً فإننا سنتمكن من إيجاد اللبنة الأولى في بناء النهضة.
إن المعرفة حرية والجهل عبودية، ولأن نكون في مؤخرة عالم من الأحرار، خير ألف مرة من أن نكون في مقدمة عالم من العبيد.
الوقت (البحرينية)، 25/4/2008

ليست هناك تعليقات: