30 ربيع الأول، 1432 هـ

مصر التي في خاطري (2)*

مصر التي في خاطري (2)*
حاولت أن أكتب شيئا في الرياضة أو هكذا ظننت، ثم تركت الموضوع لبعض الوقت.. وحاولت مرة أخرى لكن هيهات فلم تكن الرياضة أو شجونها وشؤونها لتشد انتباهي في هذه الآونة على الإطلاق.. فقد كان ولا زال هناك شيء أكبر بكثير.. شيء جذب انتباه الناس جميعا على ما أظن، أو هكذا كما يقول بعض الأصدقاء والأحباء. ما الذي يمكن أن يكون طاغيا على الإنسان إلى هذا الحد؟.. لم أذهب بعيدا، فقد كانت أوضاع مصر المحروسة وما يدور فيها وحولها.. مصر التي في خاطري وخاطر كل عربي مسلم ومسيحي.. مصر التي قال الحق سبحانه وتعالى فيها «ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين».. مصر أم الدنيا وأعرق حضارة بشرية عرفها التاريخ الإنساني.. مصر الأهرامات وأبو الهول والكرنك ومنف وطيبة والآثار العظيمة.. مصر التي لا يرفع «الشرق الرأس» بعدها.. وهيهات أن يفعل! مصر هذه هي التي شدت كل جوارحنا في هذا الظرف الدقيق!
ما الذي يجري في أرض الكنانة الطاهرة.. كنانة «هاجر أم إسماعيل» عليها السلام، حيث «خير أجناد الأرض» وأهل «الرباط».. هناك حيث نظم الشعراء المبدعون .. هناك حيث وحد «مينا» الوجهين لينشئ أول دولة مركزية في التاريخ.. شريانها النيل وروحها أخوال «إسماعيل» عليه السلام.. هناك حيث فتح عمرو، فأفلح وانتشر الإسلام، فكان نعم الفاتح العظيم.. وبنى جوهر فأجاد، فكانت قاهرة المعز.. وأسس «محمد علي» نهضة مصر الحديثة فدخل تاريخ الكبار.. ونبغ وتوالى كثير من الأئمة والعلماء والأساتذة والقادة والمفكرون والمبدعون والفنانون.. وجرى النيل على صفحة الدهور طاويا الوادي من جنوبه إلى شماله، ناثرا الخضرة والنماء.. وحيث أطلق إخناتون «ثورة التوحيد»، فتنمر عليه «كهنة آمون» وثاروا. مصر العتيقة العريقة، حيث ترنح «فرعون» و«هامان» طويلا، وبطل سحر كهنتهما أمام معجزات نبي الله موسى عليه السلام.. وحيث أنقذ «يوسف الصديق» عليه السلام بمشيئة وإلهام المولى سبحانه وتعالى شعب مصر من سنوات سبع عجاف.. فكان وحق له أن يكون «عظيم مصر» غير منازع.
هناك في مصر حيث تنثر النجوع والكفور والقرى والبلدات على ربى الوادي الخصيب.. تمر بك الحدائق الغناء.. وتلف السواقي لتغترف من مياه النيل العظيم لتروي ظمأ مصر وتغدق عليها من أنعام البارئ سبحانه.. مصر التي أبدعت الكتابة والتاريخ والطب والهندسة والفلك ونظم الإدارة والفنون والآداب.. مصر حيث عبقرية المكان والزمان وبني الإنسان في أبهى صورها.. مصر التي حكمت الشرق طويلا، ومنحت أفريقيا صورة أخرى.. مصر أحمس طارد الهكسوس.. مصر المعز وصلاح الدين وبيبرس وعرابي وسعد.. مصر شوقي وحافظ.. مصر السيوطي وعمر مكرم والشرقاوي ومحمد عبده ومحمد رفعت والشعراوي.. مصر الأزهر والفسطاط.. مصر خان الخليلي والقلعة.. مصر الطيبة.. مصر القناعة.. مصر الوداعة.. مصر السماحة والكرم.. إنها مصر.. فجر التاريخ وشعلة الضياء.. مصر درع العروبة والإسلام.. مصر التي في خاطر وروح كل عربي ومسلم.. كلنا نحبها ونحب أهلها.
إنها: مصر.. مصاريم.. إيجيبت.. حط كا بتاح.. الحصينة.. أم الدنيا.. بوابة الشرق.. تاج الشرق.. خير أجناد الأرض.. قلب العروبة.. هبة النيل.. إيجيبتوس.. البسيطة.. الممتدة.. السمراء.. الخصبة.. كِمِت.. الأرض السوداء.. كنانة الله في أرضه.. مقبرة الغزاة.. حماها الله وحمى أهلها.
عبد الرزاق أبو داود (كاتب سعودي)، 12/2/2011
* الترقيم من لدن صاحب المدونة، حيث أن هذه المقالة هي الثانية التي في المدونة ولأحد الكتَّاب السعوديين. وكانت الأولى للدكتور هاشم عبده هاشم، وذلك على الرابطة التالية:
http://arab-librarians.blogspot.com/2011/02/blog-post_17.html

ليست هناك تعليقات: