17 ربيع الأول، 1429 هـ

التعليم الديني في الميزان‏..‏ تعقيب وتصويب

التعليم الديني في الميزان‏..‏ تعقيب وتصويب
بقلم : د‏.‏ محمد عبدالفضيل القوصي
نائب رئيس جامعة الأزهر
في عدد الأهرام‏2008/3/20‏ م كتب الأستاذ طارق حجي مقالا ضافيا بعنوان‏(‏ التعليم الديني في الميزان‏)‏ تضمن في ثناياه مقولات عدة تحتاج إلي قدر من المراجعة المتأنية‏,‏ لا من منطلق حماسة الدفاع الذي سرعان ما يمسي ضربا من المراء الأجوف‏,‏ بل من منطلق البحث عن الحقائق المجردة‏,‏ لاسيما أنه يتناول قضية جوهرية هي قضية التعليم الديني حيث أزعم أنها تمس حركة المجتمع المصري بأسره في الآونة الراهنة التي كثيرا ما تختلط فيها الحقائق بالأراجيف‏!!‏
والملاحظة الصادمة التي تلفت النظر في هذا المقال لأول وهلة‏:‏ ما يكتظ به من أوصاف تمس طبقات المجتمع المصري التي دفعت بأبنائها إلي التعليم الديني‏,‏ فهي في نظر الكاتب‏(‏ الطبقات الأدني في المجتمع‏,‏ والطوائف الأقل نجاحا في التعليم والتحصيل‏,‏ وهي فئة المطحونين اقتصاديا واجتماعيا‏,‏ والأقل في القدرات التحصيلية‏)‏ إلي غير ذلك من الأوصاف التي أطلقها الكاتب ـ علي هؤلاء الآباء بسخاء ـ وهي أوصاف أقل ما يقال عنها أنها تفتقر إلي التواضع في النظر إلي فئة تمثل نسبة معتبرة من الشعب المصري‏,‏ بالإضافة إلي أنها تحمل اتهاما غير متبصر لتلك الفئة بأنها أساءت التصرف حين دفعت ببنيها إلي تلك المنظومة التعليمية عن غفلة وسوء اختيار‏!!‏
ولئن كان هذا القدر من الاستنكار والتأفف قد أسبغه الكاتب علي تلك الطبقات المطحونة ـ التي كان هو نفسه ـ في سالف الدهر ـ أحد المولعين بموقعها الطبقي ـ ولله في خلقه شئون‏!!‏ فإن قريبا من هذه الأوصاف قد أسبغه الكاتب علي التعليم الديني نفسه‏,‏ وعلي المؤسسة التي تضطلع به‏,‏ فهو‏(‏ مجرد مكان للإيواء‏,‏ يحشر فيه طلاب لم يكن بوسعهم ماديا أو تعليميا الانخراط في التعليم العام‏)‏ وهو‏(‏ تجسيد لمنظومة تعليمية دينية ديناصورية الحجم تحول بين المنخرطين فيها وبين قيم التقدم‏)‏ كما أن ذلك الضرب من التعليم كان إلي وقت قريب محل استنكار واستنكاف ورفض من صغار الموظفين والعاملين‏.‏
فلنضرب الذكر صفحا عن تلك الأوصاف التي اكتظ بها المقال لنتأمل ما وراءها من قضايا خطيرة ذات بال نستطيع ايجازها في ثلاث‏:‏
أولاها‏:‏ ان كاتب المقال ـ بتلك النظرة المتعالية ـ قد أغفل حقيقة ماثلة لا تكاد تخطئها عين فاحصة‏,‏ وهي أن التعليم الديني في مصر كان ولا يزال ممتزجا بروح هذا الشعب معبرا عن هويته التي يضرب التدين بجذوره في عمق اعماقها‏,‏ وأوضح الأدلة علي ذلك أن هذا الشعب يتجه إلي ذلك التعليم الديني متجردا من كل رغبة أو رهبة‏,‏ ودون إلزام أو قسر أو إكراه‏,‏ ليس علي الاطلاق لأنه تعليم الفقراء والمطحونين‏,‏ وليس علي الاطلاق لأن هؤلاء الفقراء والمطحونين لم يجدوا لهم ملاذا سواه كما يدعي الكاتب‏,‏ بل لأن هذا التعليم الأزهري قد علا فوق فكرة الطبقات‏,‏ وسما فوق فوارق الفقر والغني‏,‏ ولم يأخذ في حسابه التقسيمات الماضوية البالية للبورجوازية والبروليتاريا فخرجت من صفوفه طلائع النهضة في مصر الحديثة‏,‏ تلك النهضة المعجونة بأديم التكوين المصري في تدينه السمح‏,‏ وروحه المحلقة الرحبة‏,‏ التي تمثلت رحيق الإسلام من خلال ملكة الحد الأوسط وهي ميزة تتميز بها الشخصية المصرية إذا استعرنا تعبير الراحل جمال حمدان الأثير لديه‏!!.‏
ثانية تلك القضايا‏:‏ ما ذكره الكاتب من أنه قضي عشرات الساعات يراجع مقررات التعليم الأزهري فما وجد فيها إلا ما يناقض قيم التقدم‏,‏ بل يذهب إلي ابعد من ذلك فيستعدي الدولة ضد هذا التعليم‏(‏ الذي هو أعدي أعداء المجتمع المدني‏).‏
وأقول للكاتب أنه لو قضي آلاف الآلاف من الساعات ينظر إلي تلك المقررات بنفس العينين لما وجد فيها ضالته المنشودة‏!‏ فهل كان الكاتب ينتظر أن يري في مقررات ذلك التعليم الديني‏:‏ سردا جامدا أو صياغة صماء لمقومات ذلك التقدم يستظهرها الطلاب استظهارا؟
إن التعليم الديني الأزهري يقوم في جوهره الأصيل علي أن يتشرب طلبته مقومات التقدم ودوافعه ومحدداته من خلال سبيكة من الوسائط الفكرية والمنهجية المتعددة‏,‏ فلقد حرص هذا التعليم علي غرس قيم السماحة والبر‏,‏ وترسيخ قيمة الجهر بالحق‏,‏ والنفور من الباطل‏,‏ ومكافحة الشر والفساد‏,‏ بالإضافة إلي حب الأوطان‏,‏ وإعلاء قيمة العمل الجاد‏,‏ وقيمة الحرية والكرامة‏,‏ ثم ربط هذه المنظومة في نهاية المطاف برباط وثيق من طاعة الله تعالي والخشية منه‏,‏ وكل ذلك ـ وغيره مما يضيق عنه المقام ـ إنما يصب علي نحو مباشر وغير مباشر في تيار التقدم الحق‏,‏ ويغرسه في الذات العميقة مصحوبا بالاقتناع الباطني الذي يحوطه بسياج منيع من الرصانة والالتزام‏.‏
لكن ألم يلفت انتباه الكاتب وهو يقضي عشرات الساعات في مراجعة مقررات التعليم الديني حرص ذلك التعليم الديني علي التحذير من الفتنة والفرقة والتشرذم‏,‏ واحترام قيمة الانسان‏,‏ ووحدة الأصل البشري‏,‏ والنفور من كل ما يؤدي إلي التكفير والتفسيق والتبديع؟
ألم يلفت انتباهه وهو يقضي عشرات الساعات في مراجعة تلك المقررات ما تتسم به من رحابة الأفق في أخطر القضايا العقدية والفقهية والاجتماعية‏,‏ وما تحض عليه من تجنب أحادية التفكير‏,‏ والاحتكام إلي الحجج والبراهين والأدلة‏,‏ وذلك تحت عناوين شتي منها أن كل مجتهد مصيب وأن العلماء بخير ما اختلفوا وأن كلا منهم يؤخذ منه ويرد عليه؟ ثم ألم يلفت انتباهه أخيرا العديد من الكليات العملية من طب وهندسة وعلوم وزراعة وغيرها التي تجمع بين العلم الديني والعلم التجريبي في نسق فريد متكامل لا نبو فيه ولا شذوذ؟‏!‏
ثالثة تلك القضايا‏:‏ وربما اكثرها خطرا أن الكاتب يري في التعليم نقيضا جدليا لقيم التقدم‏,‏ وأكبر الظن ـ إن لم يكن أكبر اليقين ـ أن التقدم الذي يرنو اليه الكاتب إنما هو التقدم الذي يرفع راية القطيعة المعرفية مع الهوية‏,‏ ويحمل لواء الاغتراب عن الثوابت والاصول‏,‏ وليس أدل علي ذلك من أن الكاتب ينصحنا في خاتمة مقاله بأن نولي وجوهنا شطر ثقافة البحر الأبيض المتوسط‏,‏ وهي الدعوة التي سبقت أن حملت ـ منذ عقود مضت ـ عنوان‏(‏ مستقبل الثقافة في مصر‏),‏ وهي دعوة مبتسرة ليس لها ما يعضدها من التاريخ أو الواقع‏.‏
لقد غاب عن الكاتب أن التعليم الديني المصري لم ينغلق يوما في جدران التراث وحده‏,‏ ولم يصطنع يوما عداء أو شقاقا مع الروافد الانسانية العامة‏,‏ ولم يتعامل يوما مع الوافد علي انه كله شر مستطير‏,‏ ولكنه تعامل معه بمنطق الهضم والتمثيل والانتقاء لا بمنطق الذوبان والتميع وهذا موقف مبدئي قد لا تدركه النظرة العجلي‏.‏
وكأن قصارى ما يطلبه الكاتب من التعليم الديني ـ لكي يبرأ ـ في نظره ـ من التناقض مع التقدم أن ينسلخ عن ذاته‏,‏ وأن يكون بلا أبواب أو نوافذ‏,‏ ولست أدري أين توجد تلك الثقافة التقدمية في دنيا الناس إلا في عالم السوفسطائيين؟‏!‏
ثم أقول اخيرا‏:‏ إن التعليم الديني في مصر ليس خلوا من النواقص‏,‏ ولا مبرأ من العيوب‏,‏ فهو جزء من ثقافة مجتمعية عامة‏,‏ تعاني من معوقات التقدم وأعراض التخلف وتحتاج إلي من يضخ في عروقها‏:‏ دافعية الإرادة‏,‏ ومضاء العزيمة‏,‏ لا من يثير الغبار ويهيل التراب علي اختيار أصيل اختاره قطاع عريض من أكثر قطاعات الشعب المصري‏:‏ صدقا مع الذات‏,‏ ورغبة في العطاء‏,‏ وحفاظا علي الانتماء‏.‏
الأهرام 25/3/2008


ليست هناك تعليقات: