20 صفر 1429 هـ

النتيكيت ، أو أخلاقيات التعامل على الإنترنت

النتيكيت ، أو أخلاقيات التعامل على الإنترنت
بقلم: د‏.‏ حنان الشاعر
مدرس تكنولوجيا التعليم ـ جامعة عين شمس

مع ما يقدمه الإنترنت من فرص للتعلم‏,‏ مازال الكثيرون يعتبرونه من أخطر ما أثمرته التكنولوجيا حتى الآن‏,‏ وتتضح خطورته من طبيعته التي يمكن وصفها بأنها حرة بلا قيود فلا قيود علي استخدامه‏,‏ ولاقيود علي مستخدميه‏,‏ فبينما نجد بين مستخدميه من الطلاب من يسعي إلي الحصول علي معلومة تفيده في تعلم درس ما‏,‏ نجد زميله يرسل بريدا إلكترونيا محملا بالفيروسات للآخرين‏,‏ أو ينسخ إحدى البرمجيات ويوزعها علي أصدقائه‏,‏ أو يضيع وقته في غرف الدردشة‏,‏ التي تتراجع فيها الأخلاقيات أحيانا‏,‏ وتكون مجالا لكل ما هو سلبي‏.‏ فما دور الآباء‏,‏ والمدرسة‏,‏ والهيئات المسئولة في تنظيم استخدام الطلاب للتكنولوجيا‏,‏ النافعة أحيانا‏,‏ والضارة أحيانا أخري؟

سؤال وعى خطورته العديد من الجهات العالمية والمحلية‏,‏ بعد أن أظهر تقرير حديث أن نسبة مستخدمي الإنترنت من الطلاب في المنازل بلغت‏90%‏ في بعض البلدان في عام ‏2005,‏ وبعد أن ظهرت أنماط جديدة من الجرائم المرتبطة بالإنترنت‏,‏ مثل القرصنة‏,‏ وهي تعمد استخدام معلومات وأفكار وبرمجيات الآخرين دون تصريح‏,‏ والسطو وهو التسلل إلي معلومات وبيانات خاصة بالغير واستخدامها في الإضرار بهم‏,‏ وسرقة الهوية وهي انتحال شخصيات حقيقية أو مزيفة والتعامل بها‏,‏ والتي أدت إلي سرقة أكثر من‏33‏ بليون دولار من البنوك في السنوات القليلة الماضية‏.‏


ومما يدعو إلي القلق أن كثيرا من مرتكبي جرائم الإنترنت من الطلاب‏,‏ وبعض هؤلاء لا يكونون علي دراية بخطورة ما يفعله‏.‏ وقد كشف استطلاع رأي لبعض الطلاب من مستخدمي التكنولوجيا عن العديد من المفاهيم الخاطئة لديهم‏,‏ مثل أن نسخ البرمجيات وتوزيعها علي الأصدقاء هو من قبيل المساعدة‏,‏ والمشاركة‏,‏ وأن اقتباس أفكار الغير ليس بجريمة‏,‏ ولا ينتج عنه ضرر لهم‏,‏ وإن كان هناك ضرر‏,‏ فإنه يقع علي شخص مجهول‏.‏
وقد شرعت بعض البلدان في استصدار القوانين لتنظيم التعامل علي الإنترنت‏,‏ وتوقيع العقوبات علي المخالفين‏,‏ فظهر قانون حماية الأطفال مستخدمي الإنترنت عام‏2002,‏ والقانون الفيدرالي للملكية الرقمية‏,‏ وقام الكثير من المدارس بتدريس مادة سلامة استخدام الإنترنت لطلابها‏,‏ واهتمت بعض المؤسسات التعليمية بتوزيع الكتيبات والمطبوعات عن مهارات التعامل مع التكنولوجيا‏,‏ وتضمنت هذه المطبوعات دليل المعلم في كيفية تدريب الطلاب وتوعيتهم بالاستخدام الآمن للتكنولوجيا‏.‏ وفي الولايات المتحدة تمت إضافة بعض المعايير الدراسية التي تنص علي تنمية وعي الطلاب بالاستخدام الأمثل للتكنولوجيا‏,‏ وإحداث التوازن بين فرض الحماية وإجراءات المراقبة‏,‏ وبين حرية الطالب في الحصول علي المعلومات‏,‏ كما ظهر حديثا مايعرف بـ النتيكيت‏,‏ وهو اختصار كلمتي
‏NET-ETIQUETTE‏
‏وهو ميثاق يحدد قواعد التعامل بين مستخدمي التكنولوجيا‏,‏ ويهدف النتيكيت إلي ترسيخ أخلاقيات خاصة بمستخدمي التكنولوجيا‏,‏ ويشمل شقين‏:‏ الأول‏:‏ كيف تتعامل بشكل لائق مع الآخرين؟ والثاني‏:‏ كيف تحمي نفسك من المخاطر ؟
ويهتم النتيكيت بالمواقف التي يتم فيها تعامل المستخدم مع غيره‏,‏ أو قيامه بأفعال قد ينتج عنها الإضرار بغيره‏,‏ فيؤكد بعض المبادئ المهمة التي يبنغي توعية الطلاب بها‏,‏ مثل حق الملكية ويقصد به وجوب نسبة الأفكار والمعلومات إلي أصحابها‏,‏ وعدم استخدام المعلومات والصور واقتباس الأفكار ونسبتها إلي غير أصحابها‏,‏ وخصوصية المعلومات ويقصد بها عدم استغلال التكنولوجيا في التسلل إلي بيانات الآخرين‏,‏ والحصول علي معلومات بقصد الاضرار كالتشهير أو الابتزاز‏,‏ وترخيص البرمجيات ويقصد به التوعية بأنواع البرمجيات وقواعد استخدامها‏,‏ مثل البرامج المجانية‏,‏ والبرامج متاحة المصدر‏,‏ وبدأت بعض المؤسسات التعليمية في تدريس النتيكيت للطلاب‏,‏ وتدريب المعلمين علي تطبيق قواعده‏,‏ والتي منها‏:‏
ـ لا تسئ استخدام إمكاناتك ومهاراتك‏,‏ بل أحسن استغلالها بما يفيدك ويفيد الآخرين‏.‏
ـ تصفح الموقع الإلكتروني بعناية‏,‏ ولا تثق بكل ما تجده من معلومات‏.‏
ـ عامل الآخرين كما تحب أن تعامل‏,‏ حتى ولو لم تكن تعرفهم ولا يرونك‏.‏
وهناك العديد من الإجراءات التي يمكن للمؤسسات التعليمية اتباعها في توعية الطلاب بـالنتيكيت‏,‏ ومنها‏:‏
ـ تشجيع الطلاب علي استخدام المواقع الآمنة‏,‏ كالمواقع التعليمية‏,‏ والحكومية‏,‏ والتابعة لهيئات أو منظمات حكومية موثوق بها‏,‏ ويمكن تمييز هذه المواقع من عنوان الموقع والذي غالبا ما يتضمن
‏.ORG. EDU. GOV
والحذر في استخدام المواقع ذات الصبغة التجارية‏,‏ أو التي تتبع أفرادا‏,‏ والتي تتضمن أحيانا
‏NET.COM.‏
ـ إذا تم تكليف الطالب من قبل المعلم بزيارة مواقع معينة للحصول علي معلومات ترتبط بمادة دراسية ما‏,‏ علي المعلم زيارة هذه المواقع مسبقا والتأكد من مصداقيتها‏,‏ وجودة المعلومات الموجودة بها‏.‏
ـ الإعلان عن الجهات المسئولة عن ضبط السلوكيات الخاطئة‏,‏ ليلجأ إليها الطالب والمعلم عند الضرورة‏.‏
ـ تنبيه الطلاب إلي خطورة التواصل مع الغرباء‏,‏ أو التورط في علاقات مع الآخرين علي الإنترنت أو إعطائهم معلومات شخصية‏.‏
ـ توعية الطلاب بخطورة اقتباس أعمال الآخرين‏,‏ وأفكارهم واستخدامها في إنجاز المهام الدراسية دون نسبتها لأصحابها‏.‏
ـ استخدام بعض البرمجيات التي تفرض رقابة علي استخدام الطلاب للإنترنت‏,‏ والتي تقوم بتنقية المعلومات والمواقع التي تعرض للطلاب‏.‏
ـ قيام كل مؤسسة تعليمية بتحديد سياستها التي تحدد المسموح‏,‏ وتصف السلوكيات غير المرغوب فيها في تعامل الطلاب مع التكنولوجيا‏,‏ ويتم إعلانها لجميع الطلاب‏.‏
ـ إشراك الطلاب في وضع سياسة الاستخدام الآمن للتكنولوجيا في المدرسة‏,‏ ووضع العقوبات للسلوك الخاطئ‏,‏ والحوافز للسلوك الإيجابي‏.‏
ـ توعية الآباء بالمخاطر التي يمكن أن تواجه أبناءهم علي الإنترنت‏,‏ وكيفية تجنبها‏.‏
ـ استثمار وجود الطلاب علي الإنترنت في توجيههم إلي المواقع التي يمكن الاستفادة منها في تعلم المواد الدراسية وتكليفهم بالمهام التي تتطلب ذلك‏.‏
إن السعي لاستغلال إمكانات التكنولوجيا في توفير فرص تعليمية أفضل للطلاب‏,‏ لا يرتبط فقط بزيادة استخدامهم لها‏,‏ بل أيضا بتنظيم هذا الاستخدام‏,‏ وكما يسعي الآباء إلي غرس القيم والأخلاقيات بأبنائهم‏,‏ وتسعي المدرسة إلي تأكيدها والحفاظ عليها‏,‏ لتحقيق التعايش داخل المجتمع‏,‏ أصبح هناك مجتمع آخر‏,‏ ينبغي أن نعد أبناءنا للتعايش فيه‏,‏ ليس له وجود ملموس‏,‏ ويتعامل فيه الأفراد من خلال لوحة المفاتيح‏,‏ مع آخرين لايعرفون هويتهم‏,‏ بل كل ما يعرفونه عنهم هو حروف تظهر علي شاشة الكمبيوتر‏,‏ قد تصدق‏,‏ وقد لا تصدق‏,‏ وبين هذا وذاك خيط رفيع‏,‏ قد لا يراه أبناؤنا‏,‏ أو يرونه‏,‏ وقد يتبعه البعض ليصل إلي النافع والجديد‏,‏ بينما يتعثر فيه الآخر فيضل طريقه‏,‏ ولا يجد غايته‏.‏

الأهرام ، 20/2/2008
ملاحظة: ظهرت هذه المقالة في الأصل بعنوان: الإنترنت والحماية من مخاطر التكنولوجيا

ليست هناك تعليقات: